أسعد السحمراني

134

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إن الإنسان المستخلف في الأرض فطر على الصدق ، ولذا ترى فطرته تتنافى مع الكذب الذي هو فساد يصيب نفس المرء ، وجبن متناه من شخص خاف الناس فكذب ، ولم يخف اللّه تعالى وهو الأولى أن نخشاه . إن العقل السليم يرى بأن « الفطرة المستقيمة التي لم يلحقها دنس تأبى على صاحبها إلّا أن يكون صادقا في ما يقول ويفعل ، وذلك لأن في الكذب جرأة على اللّه ، وخوفا من العبد الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرّا » « 1 » . والصدق نقيض الكذب ، ونقول : صدقه الحديث ؛ أي أنبأه بالصدق . والصدق ( بفتح الصاد ) الصلب من الرماح وغيرها . وكذلك رمح صدق : رمح مستو . ويقال الصدق من الرجال : الصلب المستوي من الرجال والكامل من كل شيء . وصدق الرجل في القتال : تصلّب فيه واشتد ووفاه حقّه . ولذا بات الصدق تعبيرا عن الجرأة والثبات . وقد جاء عن الزبير بن العوّام في يوم معركة اليرموك حين المواجهة مع الروم ، قوله للمسلمين : إن شددت عليهم فلا تكذبوا ؛ أي لا تجبنوا وتولّوا . فالكذب إذن جبن وضعف وتخاذل ، والصدق شجاعة وثبات . ومما يؤكد قيمة الصدق في الحياة ، أن اللّه تعالى قد وصف القرآن الكريم - وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يعتريه التغيير - بالصدق ، وجاء ذلك في قوله تعالى : الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ « 2 » والأخيار من عباد اللّه الصادقين في عبادتهم وأعمالهم المخلصين في نواياهم أعدّ لهم سبحانه مقعدا في الجنة وصفه بأنه مقعد صدق في الآية الكريمة : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ « 3 » هنا مدح للمكان المخصص في الجنة لأهل الصدق ، وهو مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم .

--> ( 1 ) موسى ، د . محمد يوسف ، الأخلاق في الإسلام ، القاهرة ، مؤسسة المطبوعات الحديثة ، بدون تاريخ ، ص 53 . ( 2 ) سورة الزمر ، آية 33 . ( 3 ) سورة القمر ، آية 55 .